البرتغاليون في عمان – الدوافع الاقتصادية للاحتلال و التحرير

يورد المقريزي1 في كتابه السلوك لمعرفة دول الملوك خبر طمع أحد سلاطين المماليك المعاصرين له في سنة ٨٣٣ه، على وجه التحديد، في تجارة الفلفل؛ إذ كان يُباع في الإسكندرية على الإفرنج بضعف سعره في القاهرة. وقد قام السلطان بمنع التجار من بيع الفلفل للإفرنج، ليضطرهم إلى بيعه له بسعرٍ منخفض، ويستفرد هو بالأرباح الناتجة عن إعادة بيعه على الأفرنج، محققًا مكاسب طائلة.

وعلى الرغم من أن هذا الخبر الذي أورده المقريزي يسبق احتلال البرتغاليين لمدن الساحل العُماني بنحو ثمانين عامًا تقريبًا، إلا أنه يوضح بجلاء مدى أهمية هذه السلعة — الفلفل و البهارات بشكل عام— في تلك الحقبة، وشدة تنافس الدول والسلاطين عليها، إلى درجة أنها كانت أحد الأسباب الرئيسية لاحتلال دام أكثر من مائة عام. فالمتتبع للمصادر البرتغالية التي كُتبت في ذلك العصر يلمس أن الشعارات الدينية التي تبجّح بها الغزاة، وارتُكبت تحت غطائها فضائع من التفاخر بقتل أطفال المسلمين، وإحراق المدن، وجدع الأنوف، لم تكن سوى ستار لهدف اقتصادي يتمثل في احتكار تجارة الفلفل، ومنع أي قوة أخرى من تصديره إلى الغرب، على غرار ما حدث قبل ذلك بقرن بين السلطان المملوكي وتجار الإسكندرية. وقد كانت الأساطيل البرتغالية والحاميات الممتدة على طول موانئ المحيط الهندي مهيأة لخدمة هذا الهدف تحديدًا.

وتورد المصادر البرتغالية2 أن بعض الجنود المرافقين للغازي الأول أفونسو دي ألبوكيرك دخلوا في الإسلام واشتغلوا بالتجارة، وهو ما استوجب معاقبتهم بعد عودة ألبوكيرك إلى المنطقة. ويمكن فهم هذا الحدث على أن شريحة من جنود ألبوكيرك لم تكن ذات دافعٍ عقائدي يهدف إلى نصرة الدين المسيحي، بل كانت تبحث عن حياة جديدة وجدوها في سواحل عُمان. ويعزز هذا الفهم ما تشير إليه عدة مصادر معاصرة من أن جهود التنصير كانت ثانوية، إذ لم يفلح البرتغاليون في تنصير أعداد كبيرة من السكان، بل حتى عندما تمكنوا من تنصير عدد من أفراد الأسرة الحاكمة في هرمز، اصطحبوهم إلى الهند كلاجئين بعد أن فقدوا قبولهم الاجتماعي نتيجة تركهم دينهم. وهذا يدل على أن البرتغاليين — على الرغم من كثافة الشعارات الدينية في وثائقهم — قدّموا مصالحهم الاقتصادية على التبشير، ولم يسعوا إلى زعزعة الاتفاقات الاقتصادية مع حكام المدن الساحلية لصالح التنصير.

ومن هنا يمكن أيضًا فهم سرعة عقد الاتفاقات والتفاهمات مع ملوك هرمز، الذين كانوا يسيطرون على عدد من مدن الساحل العُماني؛ إذ رأوا في البرتغاليين حليفًا دوليًا جديدًا يُغنيهم عن تحالفهم القديم مع الفرس، الذين كانوا يدفعون لهم إتاوات سنوية. وقد جرى تحويل هذه الإتاوات إلى القادمين الجدد مقابل استمرار خطوط التجارة، وبالتالي استمرار ازدهار المدن الخاضعة لهم. ومن هذا المنطلق كذلك يمكن تفسير وقوف عدد من حكام مدن الساحل العُماني إلى جانب البرتغاليين في مواجهة الأتراك العثمانيين، الذين سيطروا على مسقط لفترة وجيزة، لكنهم — على ما يبدو — لم ينجحوا في التوصل إلى اتفاقات مرضية مع الحكام المحليين، ولم يتمكنوا من الاستمرار في التواجد، على خلاف البرتغاليين الذين عملوا على إرساء تفاهمات تضمن هدفهم الأساسي المتمثل في احتكار تجارة الفلفل وتغطية نفقات الحاميات المكلّفة بمراقبة هذا الاحتكار. بل أن بعض الوثائق البرتغالية تشير الى أن التجار البرتغاليين يدفعون في مسقط جمرك أعلى مما يدفعه التجار العرب مما يدل على أن الأسواق العمانية لم تكن هي المستهدفة للتواجد البرتغالي و أن الهدف الرئيسي كان احتكار تجارة الفلفل المصدر الى أوروبا لا مداخيل الموانئ بحد ذاتها.

ويبدو أن وصول الهولنديين والإنجليز إلى المحيط الهندي أضعف احتكار البرتغاليين لهذه السلعة الثمينة، بحيث لم تعد أرباحها كافية لتغطية تكاليف الحاميات الموضوعة لحمايتها. وبعد نجاح الإنجليز في التحالف مع الفرس وطرد البرتغاليين من هرمز في العقد الثالث من القرن السابع عشر، أصبحت مسقط المركز الرئيسي للوجود البرتغالي، إلا أن البرتغاليين لم يتمكنوا من تغطية تكاليف حامياتهم بالوتيرة السابقة، ما اضطرهم إلى فرض ضرائب على سلع أخرى لم تكن محل اهتمامهم من قبل، ومن بينها الأرز. ففي وثيقة تعود إلى سنة ١٦٤٣م3، كتبها أحد الضباط البرتغاليين لمرؤوسيه، ذكر أن أحد الأسباب الرئيسية لهجوم العُمانيين على مسقط ومحاولتهم تحريرها من البرتغاليين كان رفع الضريبة على الأرز، الأمر الذي أثار غضبهم ودفعهم إلى الاصطفاف خلف الإمام ناصر بن مرشد اليعربي لإخراج البرتغاليين منها.

وهكذا يتجلى للقارئ الكريم أن سلعًا نعدّها اليوم بسيطة، مثل الفلفل والأرز، كانت سببًا في حروبٍ بشعة واحتلالاتٍ دامت قرونًا، وأسهمت في تغيير خرائط سياسية واقتصادية في المنطقة. وهو ما يسلّط الضوء على محورية العامل الاقتصادي في هذه الصراعات، حتى وإن غطّت عليه الشعارات الدينية والقومية. ويمكن هنا أن نختصر مرحلة الاحتلال البرتغالي في عمان بالقول إنها مرحلة بدأت بسبب الفلفل، وانتهت بسبب الأرز.

  1. المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي. السلوك لمعرفة دول الملوك. ↩︎
  2. الشيخ، عبدالرحمن (ترجمة). سجلات ألفونسو دي ألبوكيرك. ↩︎
  3. ↩︎

شارك X Facebook WhatsApp

مقالات ذات صلة

Scroll to Top