الطبيعة الإقطاعية للدولة العمانية القديمة

تحمل المصادر التاريخية المتقدمة والمتأخرة، على حدّ سواء، إشاراتٍ واضحة إلى وجود إماراتٍ عُمانية في المشهد التاريخي للإقليم العُماني على امتداد حقبه، منذ ما قبل الإسلام وحتى ظهور الدولة الحديثة في أواسط القرن العشرين على يد السيّد سعيد بن تيمور. وتشير المصادر الإسلامية المبكرة إلى أن الرسول الأكرم ﷺ بعث بعدة رسائل إلى أهل عُمان، ولم تكن الرسالة الموجّهة إلى ملكي عُمان جيفر وعبد ابني الجلندى هي الوحيدة، وهو ما يدلّ على وجود كياناتٍ سياسيةٍ أخرى إلى جانب مُلك بني الجلندى منذ تلك الحقب المتقدمة.

وقد شكّل وجود مثل هذه الكيانات — التي يمكن أن نُطلق عليها اصطلاحًا «الإمارات» تمييزًا لها عن الملوك والقبائل — مدخلًا للتشكيك في الوحدة السياسية للإقليم العُماني، مما دفع بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن الأصل في المشهد السياسي العُماني هو التجزؤ لا الوحدة، وأن ملوك عُمان المتداولة أسماؤهم في المصادر العمانية لم يكونوا، في أحسن الأحوال، سوى حكّامٍ لمدنٍ أو نطاقاتٍ محدودة، ونادرًا ما بسطوا سيطرتهم على كامل التراب العُماني.


غير أن هذا الرأي ناتج — في جوهره — عن عدم فهم الطبيعة الإقطاعية للدولة العُمانية القديمة، وما فرضته ظروف تلك المراحل من تحدّياتٍ لوجستية وجغرافية. ففي الدولة العُمانية القديمة يتشكّل هرم السلطة من ثلاثة مستويات رئيسية؛ يتربّع على قمّته الملوك المنتمون إلى أسرةٍ حاكمةٍ تسيطر على المعاقل الرئيسية للحكم في البلاد، وتتمتّع — بحكم ذلك — بمرجعيةٍ سياسيةٍ عليا على سائر القبائل العُمانية، بما فيها القبائل المناوئة لها.

ويحتلّ المستوى الأوسط من هذا الهرم ما يمكن تسميته بالإمارات، وهي كيانات تُمنح — لأسبابٍ جغرافية أو لاعتباراتٍ تاريخية معيّنة — قدرًا من الاستقلال الذاتي ضمن حدودٍ واضحة ومتعارف عليها، كما كان عليه الحال في جعلان و الجبل الأخضر و الصير و أبوظبي. أمّا القاعدة العريضة لهذا الهرم، فتتشكّل من القبائل، التي قامت عليها الدولة العُمانية القديمة، وأسهمت — عبر هذا التوازن البنيوي — في الحفاظ على وحدتها السياسية، رغم مظاهر التعدّد الظاهرة في بنيتها الإدارية.

والتفسير الأقرب لهذه الظاهرة الإقطاعية في الدولة العُمانية القديمة يتمثّل في أن الملوك المسيطرين على المعاقل الكبرى، التي كانت تمثّل مورد الدخل الرئيسي لهم، لم يكونوا في حاجةٍ إلى فرض سيطرة مباشرة على مناطق بعيدة أو ضعيفة في مردوها الإقتصادي، لا تدرّ عليهم عائدًا مماثلًا لما تحقّقه المدن والحَواضر الرئيسة الواقعة تحت أيديهم. لذلك نجدهم يتعاملون مع تلك المناطق، النائية أو المحدودة الموارد، كما لو كانت عبئًا يسعون إلى التخفّف منه، لولا ما قد ينشأ منها من تهديداتٍ أمنية محتملة.

فالسيّد سعيد بن سلطان على سبيل المثال طلب بنفسه من البريطانيين التوقيع على اتفاقية السلم البحري مع شيخي دبي وأبوظبي، على الرغم من كونهما — بحكم انتمائهما الهناوي — مواليين له، إلا أنه كان يسعى من خلال ذلك إلى التخلّص من الإشكالات المستقبلية التي قد يتسبب بها أتباعهما مع البريطانيين. وفي الوقت ذاته، كان السيّد سعيد يطالب بحقه في البحرين، لما كانت تتمتّع به من مداخيل اقتصادية كبيرة، لا يمكن أن تدرّه عليه مدن فقيرة كدبي وأبوظبي آنذاك.

ومن هذا المنطلق، اتّسمت سياسة الملوك بقدرٍ من التساهل في منح نوعٍ من الاستقلالية لتلك المناطق، متى ما برزت فيها زعاماتٌ قبلية قادرة على تحمّل جزءٍ من الأعباء الإدارية والعسكرية التي كانت تقع على عاتق السلطة المركزية. غير أنّ هذه السياسة شكّلت، في الوقت ذاته، سلاحًا ذا حدّين؛ إذ كان بإمكان أولئك الأمراء الانقلاب على الملوك بسهولة، إمّا بالتحالف مع أطرافٍ خارجية، أو بإثارة القلاقل الداخلية التي تزعزع استقرار البلاد و تهدد معاقل المُلك في أحيان كثيرة.

ولهذا غدت عملية الحفاظ على التوازن بين الإمارات والقبائل لعبةً شديدة التعقيد، لم ينجح في إدارتها والسيطرة عليها كثيرٌ من ملوك عُمان، الأمر الذي أفضى في بعض الفترات إلى ظهور إمارات معادية لحكم الملوك و شرعيتهم. و أدى بالنتيجة الى ضعف الحكم و كثرة النزاعات الداخلية و التدخلات الخارجية.

المصادر:
المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي
Precis of correspondence regarding the affairs in the Persian Gulf 1801-1853

شارك X Facebook WhatsApp

مقالات ذات صلة

Scroll to Top