تواجه المهتمَّ بالتاريخ العُماني جملةٌ من الإشكالات في فهم بعض الإشارات التاريخية، يعود معظمها إلى ما يعتري هذه الإشارات من تضاربٍ فيما بينها، فضلًا عن الندرة والانقطاعات التي تطبع بعض العصور التاريخية. ونتيجةً لذلك، كثيرًا ما تُثار تساؤلاتٌ جوهرية حول تاريخية وجود الدولة، ووحدة الإقليم، واستقلاله، بوصفها إشكالاتٍ ناتجة عن هذا الاضطراب في المادة التاريخية. وقد أدّت هذه الإشكالات إلى بروز تصوّراتٍ متطرفة مفادها أن الدولة العُمانية المعاصرة صناعةٌ استعمارية، لا تختلف في نشأتها عن دول سايكس–بيكو في الهلال الخصيب أو عن دول النفط في الخليج العربي. غير أن الواقع التاريخي يُظهر أن الدولة العُمانية الحديثة ليست كيانًا مُنشأً من فراغ، بل هي وريثةُ دولةٍ قديمةٍ كانت قائمة منذ ما قبل الإسلام، واستمرت — رغم أطوار الضمور والانحسار — محافظةً على مرجعيتها السياسية الواحدة وخصائصها المميزة عبر العصور.
من هنا تبرز الحاجة إلى بناء سياقٍ تاريخيٍّ متماسك، يمكن من خلاله وضع كل إشارةٍ تاريخية في موضعها الصحيح. وللتغلب على إشكاليتي نقص الإشارات التاريخية وتضارب المتوافر منها، يصبح من الضروري تبنّي منهج ابن خلدون1 في استقراء الأحداث والأخبار المدونة؛ إذ يشدّد في مقدمته الشهيرة على ضرورة قياس الغائب بالشاهد، والحاضر بالغائب، وقياس الوقائع بأشباهها، مع إخضاع الأخبار لمعيار الحكمة وتحكيم النظر والبصيرة. ويُوفّر هذا المنهج حلًا عمليًا لإشكالية نقص المعلومات المتعلقة بالتاريخ العُماني وتعارضها، إذ يسمح بقياس الماضي الأبعد بالحاضر الأقرب زمنيًا من خلال مقارنة الوقائع بأشباهها، واستخراج العناصر الرئيسة المكوِّنة للتاريخ العُماني عبر هذه المتشابهات. ومن شأن ذلك أن يُفضي إلى تصورٍ عامٍّ للسياق التاريخي العُماني، ويُبرز عناصره الأساسية وطبيعة تفاعلها مع بعضها البعض.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن التاريخ العُماني يتشكّل من تفاعل ثلاثة عناصر رئيسة لا تكاد تخلو منها أي حقبة من حقبه الممتدة منذ ما قبل الإسلام وحتى ظهور الدولة الحديثة في منتصف القرن العشرين، وهي: الملوك أولًا، والقوى الدينية ثانيًا، والقوى الخارجية ثالثًا. ويمكن — على سبيل المثال — ملاحظة حضور هذا الثالوث التاريخي ذاته في مشهدين تاريخيين يفصل بينهما أكثر من ألف عام، هما مشهدي حكم الإمام الجلندى بن مسعود والإمام عزان بن قيس. فكلاهما ينتمي إلى أسرةٍ حاكمة، وقد جرى اختيارهما من قِبل القوى الدينية لما لهذه الأسرة من قبولٍ وانقيادٍ لدى القبائل، وكلاهما واجه قوى إقليمية قادمة من الحدود الشرقية للإقليم العُماني؛ تمثّلت في الصُّفريّة في حالة الجلندى، والوهابية في حالة عزان، كما فقد كلاهما السلطة بتدخل قوةٍ عظمى خارجية: العباسيين في حالة الجلندى، والبريطانيين في حالة عزان. ويُثبت هذا التشابه تاريخية هذه العناصر الثلاثة بوصفها مكوّناتٍ بنيوية ثابتة في المشهد التاريخي العُماني.
وقد عانى العنصر الأول من هذا الثالوث التاريخي — أي الملوك — من تحيّزٍ واضحٍ ضده، إذ إن أغلب المدونين الأوائل لم يكتبوا لصالحه. فالتاريخ العُماني يُستقى، في معظمه، من مصدرين رئيسيين:
- مدونات الفقهاء العُمانيين، التي تميل إلى النموذج المثالي للحكم القائم على انتخاب الأئمة، وهو ما جعل موقفها التاريخي، في كثير من الأحيان، مناوئًا لحكم الملوك القائم على أرض الواقع.
- المدونات التاريخية العربية الكلاسيكية، التي دوّنها مؤرخون من خارج عُمان، وتناولت الشأن العُماني عرضًا في سياق حديثها عن الإمبراطوريات أو الأقاليم التي ينتمي إليها هؤلاء المؤرخون، فعبّرت — بحكم موقعها — عن وجهات نظر خارجية لا تعكس بالضرورة الواقع العُماني في ذاته.
وانطلاقًا من هذا التصور، تغدو القراءة الاسترجاعية للتاريخ ضرورةً منهجية؛ أي فهم الماضي الأبعد من خلال دراسة الماضي الأقرب زمنيًا، حيث تتوفر مادة تاريخية أوضح وأغزر، ولا سيما فيما يتعلق بالملوك. ويُعدّ القرن الثاني من حكم سلاطين آل بوسعيد — من عهد السيد ثويني بن سعيد إلى عهد السيد سعيد بن تيمور — من أنسب الفترات لإيضاح طبيعة تفاعل العناصر الرئيسة، وتحديد الأنماط التاريخية الناتجة عن هذا التفاعل، لقرب عهدها وتوفر مصادر أكثر تفصيلًا وتنوعًا عن السلطة الملكية، بما يعوّض نقص هذا الجانب في الأحقاب الأقدم التي ظلت روايتها، في الغالب، منحازةً لصالح القوى المناهضة لحكم الملوك.
ولعلّه ليس من قبيل المصادفة أن يفتتح العلّامة نور الدين السالمي2 كتابه التاريخي الشهير تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان بالإشارة إلى تعريف ابن خلدون لعُمان. ويُستشفّ من منهج السالمي في هذا الكتاب أنه سار — في الجملة — على نهج ابن خلدون في استجلاء ما تضاربت الإشارات حوله من تواريخ الأئمة؛ إذ اشتكى في مقدمته قلّة الأخبار المتعلقة بهم، و يرجح أنه عمد إلى استحضار المشهد السياسي في عصره عند تناوله لتواريخ المتقدمين. غير أن تاريخ الملوك، في المقابل، لم يحظَ بمثل هذه المعالجة المنهجية التي يمكن من خلالها بناء سياقٍ تاريخيٍّ عام، يُسهم في توضيح الإشارات التاريخية ووضعها في مواضعها المناسبة، من غير تعسّفٍ في إطلاق الأحكام أو إغفالٍ للظروف الموضوعية التي أحاطت بحكم الملوك و هو الحكم الذي ساد في أغلب فترات التاريخ العماني منذ ما قبل الإسلام الى عهد السيد سعيد بن تيمور.



