في شتاء عام 1922م، قام القس غيرت ديرك فان بيرسوم، وهو قس أمريكي من أصل هولندي، بزيارة مدينة صور، ودوّن مشاهداته في مقال نُشر في مجلة “العربية المهملة” (Neglected Arabia)، وهي دورية ربع سنوية تصدرها الإرسالية العربية التابعة للكنيسة الإصلاحية في الولايات المتحدة.
وصل القس إلى صور قادمًا من مسقط بعد توقفه في عدة محطات، وذلك في شهر يناير من العام نفسه، وكان يحمل رسالة تعريف من السلطان لتقديمها إلى الوالي، وهي وثيقة كان يُزوَّد بها الأجانب لتسهيل تنقلهم وتقديمهم إلى المسؤولين المحليين. وقد امتدح القس بيرسوم الوالي الشاب، مشيرًا إلى صفاته الاجتماعية التي أهلته لتولي المنصب في سن مبكرة. وعلى الرغم من انفتاح الوالي، فقد طلب منه عدم التطرق إلى المواضيع الدينية في المجالس العامة، معللًا ذلك بأن الحديث فيها لا طائل منه، إذ لا المستمعين سيعتنقون المسيحية، ولا المتحدث المسيحي سيعتنق الإسلام.
وفي صباح اليوم التالي، توجه القس الأمريكي لتقديم العزاء في أحد التجار البارزين الذي كان قد عاد مؤخرًا من رحلة علاج في البحرين. وقد أبدى القس دهشته من الولائم الباذخة التي أقيمت في مجلس العزاء، مشيرًا إلى أنه لم يشهد مثلها منذ وصوله إلى مسقط. وخلال المجلس، لم يتمكن من إثارة أي نقاش ديني، واكتفى بمراقبة مراسم العزاء، مستغربًا من عدم منعه من الحضور.
وفي اليوم الأخير من زيارته، ذهب القس إلى منزل تاجر آخر وصفه بـ”الثري العربي”، وكان هذا التاجر يخطط للسفر إلى البحرين مع ابنه لتلقي العلاج. وكان مشغولًا آنذاك بترتيب نقل قطع من سفينة بخارية جانحة قرب رأس الحد، كان قد اشتراها بخمسة آلاف قرش نمساوي من شيخ البدو الذي منحته السلطات البريطانية حطام السفينة مكافأة له على مساعدته طاقمها في الوصول إلى مسقط. وقد خطط التاجر الصوري لبيع تلك القطع في بومبي بثلاثة أضعاف السعر الذي دفعه.
وقد أبدى القس إعجابه بسعة اطلاع ابن التاجر، الذي سأله عن آخر أخبار محاولات الأمريكيين لاستكشاف القطب الشمالي، وخططهم للطيران إلى القمر (قبل أن يصل الأمريكان فعليا الى القمر بثلاثين عام) ، واستقلال العراق، وتحدث في التاريخ القديم عن الإسكندر الأكبر ولغز بناء الأهرامات. لكن القس عبّر عن خيبة أمله لأن الحوار لم يتطرق إلى السيد المسيح عليه السلام، حيث رفض الشاب تسلّم نسخة من الإنجيل، قائلًا إنه مهتم بأخبار الحاضر من سياسة وأعمال، وإن القرآن — الذي يعتقد أنه ناسخ لما سبقه — يكفيه عن غيره من الكتب السماوية.
لم يذكر القس أسماء الأشخاص الذين قابلهم، ولكن من خلال المقارنة مع إشارات وردت في مصادر تاريخية أخرى، يمكن ترجيح اسماؤهم كالتالي:
والي صور آنذاك هو السيد حمود بن حمد بن هلال البوسعيدي، المعروف بلقب ولد راعي ظبية. وتتوافق صفاته المذكورة في المقال من حيث الشباب والانفتاح والكرم مع ما هو معروف عنه.
أما التاجر المتنفذ الذي حضر القس عزاءه، فيصعب ترجيح الشخصية المقصودة فالتجار الكبار في صور كثر، و لكن بداية العشرينيات شهدت وفاة الشيخ محمد بن مبارك بن سالم آل فنه، و لعل العزاء المقصود هو عزاؤه.
وشيخ البدو الذي منحه البريطانيون حطام السفينة البخارية هو على الأرجح الشيخ منصور بن ناصر بن محمد المجعلي، الذي ورد اسمه في وثائق بريطانية متعددة تتحدث عن مساعدته في إنقاذ طاقم السفينة في العقد الثاني من القرن العشرين.
أما الثري الصوري الذي اشترى السفينة، فالأرجح أنه الشيخ عبدالله بن خميس بن علي بن ربيع المخيني، ونجله سالم بن عبدالله، الذي تشير مصادر أخرى إلى سعة اطلاعه على أخبار العالم. كما أن قطعًا من السفينة البخارية المذكورة تم تركيبها في منزل التاجر في مخا، وقد كانت لا تزال ظاهرة حتى وقت قريب قبل أن يُهدم المنزل مؤخرًا.



