قلعة صور في الوثائق البرتغالية سنة ١٥٤٦م

تورد الوثائق البرتغالية1 رسالة كتبها الضابط سبستياو لوبيز لوبتاو إلى نائب ملك البرتغال في الهند في شهر مارس من عام ١٥٤٦م، يشير فيها إلى استيلاء “عرب الجبال” على قلعة صور التابعة لملك هرمز، الذي كان يخضع بدوره لملك البرتغال بموجب المعاهدات المبرمة منذ بدء الاحتلال البرتغالي للمنطقة بقيادة ألفونسو دي ألبوكيرك مطلع القرن السادس عشر. وتُعد هذه الرسالة أول إشارة موثقة إلى قلعة صور خلال حقبة السيطرة البرتغالية، أعقبتها إشارات لاحقة تؤكد استعادة صور لمكانتها كميناء رئيسي على الساحل الشرقي لعُمان، بعد أن تراجعت خلال حكم ملوك هرمز لصالح ميناء قلهات.


ومن الجدير بالذكر أن عام ١٥٤٦م شهد أيضاً وصول العثمانيين إلى المنطقة عبر البحر الأحمر، كما تشير الوثائق البرتغالية إلى مقترح لغزو عمان الداخل في عام ١٥٤٥م، بهدف تحييد التهديدات التي كانت تواجه الموانئ العمانية التابعة لملك هرمز. ويُستشف من هذه الوثائق أن موانئ مثل قلهات، قريات، مسقط وصحار بقيت رغم تبعيتها السياسية لملوك هرمز، موانئ عمانية الهوية ومرتبطة عضوياً بعمان الداخل، في وقت كانت فيه مملكة هرمز فارسية شكلاً ومضموناً، رغم ما يُقال عن الأصول العربية العمانية للأسرة الحاكمة فيها.


وبالعودة إلى المصادر العمانية2، يتضح أن تلك الحقبة شهدت عودة النباهنة إلى المشهد السياسي في الداخل بعد تراجع سلطة الإمامة التي انقسمت بين إمامين: بركات بن محمد بن إسماعيل وعمر بن القاسم الفضيلي، مما مكّن السلطان سلطان بن المحسن النبهاني من استعادة العاصمة نزوى عام ١٥٥٦م، بعد نحو سبعين عاماً من خروجها من يدهم. كما برز خلال تلك الفترة دور الجبور القادمين من الأحساء، والذين لعبوا أدواراً عسكرية حاسمة دعماً لبعض الأطراف العمانية، على غرار ما سيحدث لاحقاً مع الوهابيين بعد ثلاثة قرون.

غير أن المصادر العمانية لا تذكر صراحة حادثة خروج قلعة صور عن سيطرة هرمز في عام ١٥٤٦م، ما يجعل من الصعب تحديد هوية “عرب الجبال” الذين استولوا على القلعة، خاصة في ظل اللغة الغامضة والعمومية التي تُميز الوثائق البرتغالية القديمة. وتشير الوثائق ذاتها إلى خلاف داخل مملكة هرمز بين حاكم مسقط ووزير ملك هرمز، ومن المحتمل أن يكون هذا الخلاف قد شجّع العمانيين على انتهاز الفرصة و الاستيلاء على قلعة صور للخلاص من سيطرة هرمز والبرتغاليين على الموانئ العمانية.


ويبدو أن قلعة صور بقيت مركزاً للنزاع بين قوى متعددة: مملكة هرمز والبرتغاليون من جهة، والعمانيون وحلفاؤهم من الجبور من جهة أخرى، حتى تم تحريرها نهائياً على يد اليعاربة. ففي عام ١٥٦٥م، أشار الراهب دُوارتي باربوزا3 إلى أن قلعة صور كانت لا تزال تحت سلطة ملك هرمز.

وفي المقابل، ترد إشارة يتيمة في ديوان الشاعر الكيذاوي4 إلى حملة عسكرية ناجحة قادها فلاح بن المحسن النبهاني (توفي ١٥٧٥م) ضد وادي بني خالد، وتشير بعض أبيات المدح إلى أن الحملة امتدت لتشمل صور وجعلان:
جَرَّدتَ للحربِ سيفَ العربِ مُنصَلِتا
ولم تكن عن منال المجدِ بالواني
وأقبلتْ من نواحي الأرضِ مسرعةً
تأتي إليكَ السرايا يا بن نبهان
حتى نهضتَ بجيشٍ والملوكُ بهِ
موفُون من آل قحطان وعدنان
وسِرتَ بالجيشِ من بهلا إلى سَمَدٍ
إلى سيق إلى صورٍ فـجعلانِ


وفي وثيقة برتغالية أخرى كتبها راهب مرّ بمدينة صور في طريقه إلى هرمز، يُذكر أن صور كانت قد عادت مجدداً إلى السيطرة الهرمزية في تلك الفترة، وأن شيخها المدعو الشيخ سالم كان تابعاً لملك هرمز، رغم عصيان معظم ولاة هرمز وولائهم للجبور. كما أشار الراهب إلى ازدهار ماضي قلهات، ما يدل على تراجعها مقابل صعود صور في أواخر القرن السادس عشر. ويعزز هذا التحول وثيقة أخرى تؤكد تواجد أمير هرمز في صور عام ١٦٢٣م، وهو تاريخ قريب من تحرير المدينة بشكل نهائي على يد اليعاربة. أما قلهات، فلم تعد تُذكر في الوثائق ولا في المصادر العمانية آنذاك، التي تحدثت عن تحرير الموانئ العمانية من البرتغاليين مما يشير إلى اضمحلال دورها لصالح صور.

  1. وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. الوثائق البرتغالية في بحر عُمان. ترجمة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ↩︎
  2. السالمي، نور الدين عبدالله بن حميد. إتحاف الأعيان بسيرة أهل عُمان ↩︎
  3. القاسمي، سلطان بن محمد. رحلة بالغة الأهمية ↩︎
  4. الفارسية، سعيدة بنت خاطر. العصر الذهبي للشعر في عُمان ↩︎

شارك X Facebook WhatsApp

مقالات ذات صلة

Scroll to Top