في عام ١٨٩٩م، تم تعيين بيرسي زكريا كوكس وكيلاً سياسيًا وقنصلًا لبريطانيا العظمى في مسقط، وكانت مهمته الرئيسية التصدي للحضور الفرنسي في المنطقة، والمتمثل في رفع عدد من أصحاب السفن الصُّوْرِيّة للعلم الفرنسي على سفنهم. وبناءً على ذلك، جعل كوكس مدينة صُور محور اهتمامه، فتابع تحركات أهلها وشؤونها الداخلية بعناية، من خلال شبكة من المخبرين، خاصة من التجار البانيان المقيمين فيها. واقترح كوكس على مسؤوليه في الهند تعيين نائب للقنصل البريطاني في صُور في سنة ١٩٠٠م1 لمواجهة نفوذ القنصل الفرنسي، الذي اعتاد زيارة المدينة سنويًا لتجديد تصاريح رفع الأعلام الفرنسية على السفن الصُّوْرِيّة و جدد كوكس مطالبته هذه طوال فترة عمله في مسقط.
وقد ألح كوكس على السلطان فيصل بن تركي لزيارة صُور ونزع الأعلام الفرنسية بالقوة من حامليها، متعهدًا بتقديم الدعم اللازم، وهدد بقصف سفن أهل صُور باستخدام السفن الحربية المرافقة إن لم يستجيبوا لذلك. وقد تم ذلك في صيف عام ١٩٠٠م. إثر ذلك، خاطب أهل صُور القنصل الفرنسي موضحين ما تعرضوا له تحت تهديد البوارج البريطانية. فاستجاب القنصل، وزودهم من جديد بالتصاريح والأعلام، متعهدًا بالدفاع عنهم في وجه التهديدات البريطانية.
كما تبنى كوكس مشروع استخراج الفحم من منطقة الرَّفْصَة، في محاولة للالتفاف على النفوذ الفرنسي، عبر استغلال الانقسامات القبلية القديمة بين الغافرية و الهناوية. إلا أن اعتراض زعماء الهناوية في المنطقة الشرقية على مخططاته أفشل المشروع.
وفي عام ١٩٠٢م، قطع بيرسي كوكس زيارته لعُمان الداخل فور تلقيه خبرًا عن قيام السلطات البرتغالية باحتجاز عدد من السفن الصُّوْرِيّة قبالة سواحل موزمبيق. وقد رأى في هذه الحادثة فرصة لإحراج الفرنسيين، بإثبات أن تجارة الرقيق ما زالت تُمارس تحت الأعلام الفرنسية. إلا أن التحقيقات أظهرت لاحقًا أن أياً من تلك السفن لم تكن ترفع العلم الفرنسي.
وفي عام ١٩٠٣م، وقعت حادثتان مهمتان استغلهما كوكس بدهاء و قد تسببتا في تصعيد مسألة رفع الأعلام الفرنسية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي:
الحادثة الأولى: خلاف نشب بين قبيلة الجنبة في صُور وأمير جعلان، الشيخ عبدالله بن سالم آل حمودة، الذي اتهم أهل صُور ببيع السلاح لخصومه. وعلى إثر ذلك، أغلق الخور واشترط التفاهم مع شيخين من مشايخ الجنبة، وهما: محمد بن مبارك بن سالم آل فنه، وناصر بن محمد بن ناجم الغيلاني. وقد توصّل الطرفان إلى تفاهمات أدت إلى فك الحصار. إلا أن النوخذة مبارك بن حمد بن مبارك الرزيقي و هو من كبار تجار صور الرافعين للعلم الفرنسي على سفنهم خرق الحصار بسفينته “الخَضْرَا” رافعًا العلم الفرنسي، فتعرض لإطلاق نار من أتباع الأمير، واخترقت إحدى الرصاصات العلم الفرنسي. وقد استغل كوكس هذا المشهد بدقة، فهو تلميذ بارع للمدرسة السياسية البريطانية التي تجيد توظيف النزاعات المحلية لصالحها، مدركًا أن فرنسا لن ترغب في التورط في نزاعات داخلية بين القبائل العُمانية.
الحادثة الثانية: اتهام ثلاثة من شيوخ صُور الرافعين للعلم الفرنسي بكسر الحجر الصحي، وهم: عبدالله بن خميس بن علي بن ربيع المخيني، وابنه سالم بن عبدالله، وخلفان بن حمد بن محمد البلال المخيني. وكان هؤلاء قد وصلوا إلى مسقط على متن سفينة بخارية عائدين من بومبي، وخضعوا لإجراءات الحجر الصحي، إلا أنهم اتُهِموا بتهريب اثنين من مرافقيهم و هما سعيد بن مبارك بن راشد الفارسي و موسى بن سلطان المخيني الذين كانت تذاكرهم تتطلب فترة حجر أطول. تولى كوكس بنفسه التحقيق معهم، وقد أنكروا التهمة الكيدية التي إن صحت كانت تتطلب تدخل موظفي السلطان لا القنصل البريطاني، وطلبوا تدخل القنصل الفرنسي. فطلب كوكس من السلطان سجنهم في قلعة الجلالي، مما دفع بارجة حربية فرنسية إلى زيارة مسقط وإخراجهم بعد ابلاغ السلطان ان علاقته بفرنسا على المحك بسبب احتجاز عبدالله بن خميس و ابنه و خلفان بن حمد، و استجاب السلطان بعد الضغط الفرنسي و قام بإطلاق سراحهم وعادوا إلى صُور على متن البارجة الحربية الفرنسية. وقد ساهمت هذه الحادثة في اقتناع جميع الأطراف بضرورة التوصل إلى حل نهائي لمسألة رفع الأعلام الفرنسية، عبر إحالتها إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي.
وقد نقل بيرسي كوكس سنة ١٩٠٣م الى منصب أعلى و هو منصب المقيم السياسي في بوشهر و قد لعب أدوار محورية مهمة أثناء الحرب العالمية الأولى في منطقة الخليج و العراق لا تقل عن ما قام به لورنس في الحجاز و الشام و عين بعد ذلك مندوبا ساميا بريطانيا في العراق و هو من قام بتنصيب فيصل بن الشريف حسين ملكا للعراق في بداية العشرينيات.
الصورة:
بيرسي كوكس متوسطًا كبار المسؤولين الاستعماريين البريطانيين في “مؤتمر القاهرة” عام 1921م، وهو المؤتمر الذي أعاد رسم خرائط المنطقة عقب الحرب العالمية الأولى. يظهر على يمينه رئيس الوزراء البريطاني الشهير ونستون تشرشل وزير المستعمرات آنذاك، وخلفه لورنس العرب، مدبر الثورة العربية الكبرى
- Muscat: French Flag Question, 35/85. Qatar Digital Library.
↩︎



