صور بين الخليج العربي و لبنان

في مقال للكاتب اللبناني إبراهيم اليازجي، نُشر في جريدته الضياء1 التي كان يصدرها في القاهرة عام ١٩٠٣م، ذكر أن الفينيقيين هم أول من اكتشف رأس الرجاء الصالح، إذ وصلوا إليه بعد انطلاقهم من البحر الأبيض المتوسط، ثم عبروا منه إلى الخليج الفارسي – بحسب تعبيره – حيث أسسوا مستوطنات على السواحل أطلقوا عليها أسماء مدنهم الأصلية في بلاد الشام، مثل صور (تيروس) وأرادوس (أرواد).

بهذا الرأي تعصب اليازجي لصور الشام كونها الأقدم من صور في سواحل الخليج العربي مخالفا بذلك غالبية الكتّاب الغربيين الذين سبقوه في دراسة تاريخ الفينيقيين. فقد اعتمد هؤلاء على ما أورده المؤرخ اليوناني سترابو، الذي نقل عن الفينيقيين في بلاد الشام أنهم ينحدرون من شواطئ البحر الإريتري، وهو الاسم القديم للمحيط الهندي وما يتفرع عنه من البحار كالخليج العربي والبحر الأحمر. ولأن الفينيقيين يمثلون حضورًا بارزًا في المخيال الغربي، لسيطرتهم على البحر الأبيض المتوسط فترة طويلة و أسبقيتهم على الإغريق الذين قامت على حضارتهم الحضارة الغربية، فقد حرص الكتاب الغربيون في القرن التاسع عشر على تتبّع آثارهم.

فعلى سبيل المثال، أشار الملازم جيمس ولستد2. الذي زار صور عام ١٨٣٥م إلى أنها كانت – كما يُقال – مستوطنة من قِبل “السوريين” في الأزمنة السحيقة، والمقصود بهم الفينيقيون الذين ازدهرت حضارتهم في بلاد الشام. لكنه لم يوضح ما إذا كان هؤلاء قد رحلوا من صور إلى الشام أم العكس.

أما العقيد صامويل مايلز3، الوكيل السياسي البريطاني في عهد السيد تركي بن سعيد، فقد ألمح في حديثه عن صور إلى احتمال أسبقية الملاحين العمانيين على غيرهم من ملاحـي العالم، مستندًا إلى فرضية تأسيس الفينيقيين لصور عمان أثناء عبورهم من إفريقيا متجهين إلى البحر الأبيض المتوسط. كما تناول المعنى اللغوي لاسم “صور” في العربية – أي “الصخرة” – ورجّح أن تكون العيجة أو رأس الميل بالتحديد هي المقصودة بالاسم، ثم أُطلق لاحقًا على صور الواقعة على ساحل فلسطين على حد تعبيره.

ومن الجدير بالذكر أن فكرة “فينيقية صور” انتقلت إلى المخيال العماني عبر الشيخ الشيبة محمد بن عبدالله السالمي في كتابه الشهير نهضة الأعيان بحرية أهل عمان4، الذي ألّفه في الستينيات بعد خروجه من البلاد، محاولًا إكمال ما بدأه والده الشيخ عبدالله بن حميد السالمي بالاستناد إلى المصادر الأجنبية. وفي هذا الكتاب ذكر استيطان الفينيقيين الأوائل لصور عمان ثم هجرتهم منها إلى بلاد الشام، وأشاد بمدينة صور التي احتضنته في الأربعينيات قائلاً عبارته الشهيرة:
“تاريخ صور هو تاريخ أمة كاملة”، في إشارة إلى الفينيقيين.


هذه العبارة ذات الطابع الشعري ألهمت الكثيرين، و في مقدمتهم الشاعر الكبير ناصر بن علي البلال الذي توسّع في الربط بين صور عمان و الفينقيين في أشعاره و ضمن كتابه حول قبائل الجنبة (٢٠٠٦)5 فرضيات حاول فيها الربط بين كون صور عمان الموطن الأول للفينيقيين و بين قبائل الجنبة و تواجدهم السحيق في صور كملاحين قاموا بتصدير اللبان إلى مصر الفرعونية. ويبقى الحديث عن التاريخ القديم واسعًا، تكثر فيه الفرضيات والتعارضات، مما يجعل الجزم به و ترجيح فرضية على أخرى أمرًا بالغ الصعوبة.

  1. مجلة الضياء المصرية ↩︎
  2. ولستد، جيمس ريموند. رحلات في الجزيرة العربية ↩︎
  3. Miles, S. B. The Countries and Tribes of the Persian Gulf. ↩︎
  4. السالمي، محمد بن عبدالله الشيبة. نهضة الأعيان بحرية أهل عُمان ↩︎
  5. البلال، ناصر بن علي. قبائل الجنبة وميناؤهم التاريخي صور. ↩︎

Share X Facebook WhatsApp

Related Articles

Scroll to Top