جذور مسألة رفع الأعلام الفرنسية

في عام ١٩٠٠م، بادر عدد من أهالي صور الذين نزعت عنهم الأعلام الفرنسية بضغط من الإنجليز إلى مراسلة القنصل الفرنسي1، طالبين السماح لهم برفعها مجدداً. وقد أوضح بعضهم في رسائلهم أن رفع الأعلام الفرنسية تقليد قديم توارثوه عن آبائهم وأجدادهم، وأنه لم يكن موجهاً ضد السلاطين، بل جاء كوسيلة لمواجهة التغول البريطاني2 في المحيط الهندي الذي بالغ في ملاحقة السفن الحاملة للعلم العربي القديم بذريعة مكافحة تجارة الرقيق.


ففي رسالة سالم بن مسلم بن ربيع المخيني، مثلاً، ذكر أن والده حصل على تصريح رفع العلم الفرنسي في مراكبه منذ عهد “السلطان نابليون” على حد تعبيره، والمقصود الإمبراطور نابليون الثالث (١٨٤٨–١٨٧٠م). كما أورد القنصل الفرنسي في أحد تقاريره أن أحد أهالي صور أخبره بأن رفع الأعلام الفرنسية بدأ منذ عهد السيد سعيد بن سلطان، ولم يُعرف أن السلاطين اعترضوا على ذلك.

وهذا ما أكده محمد بن سليم ولد عبود الغيلاني في رسالته الشارحة للقنصل الفرنسي، إذ ذكر أن السلطان فيصل سأله عن سبب رفعهم لأعلام فرنسا، فأجابه الغيلاني: “الظلم الذي وقع علينا من الإنجليز”، مضيفاً أن أهل صور أخذوا الحمايات برضا أسلاف السلطان فيصل، ولم يعترض عليهم أحد.


وتذكر الرسائل التي بعث بها كل من راشد بن سليم بن ثابت المخيني وحمد بن محمد بن راشد ولد فنه، بعد شهر من نزع الأعلام، أن السلطان فيصل أعاد العلم الفرنسي الخاص بهم في مسقط. وهذا يدل على أن ما حدث كان نتيجة ضغط بريطاني مباشر، أكثر منه رغبة من السلطان نفسه، الذي كان يواجه بدوره ضغوط شديدة من البريطانيين في شأن علاقته مع فرنسا وصلت إلى حد التهديد بقصف قصره إذا استمر في توطيدها.


يُذكر أن القنصل الفرنسي3 في مسقط كان يزور مدينة صور ويقيم فيها ما يقارب الشهرين خلال موسم عودة السفن الصورية من رحلاتها، وذلك ابتداءً من عام ١٨٩٦م، بهدف التفتيش عن أي مخالفات محتملة تتعلق بتجارة الرقيق. وكان القنصل يخرج في الغالب بانطباعات إيجابية، إذ يصف أهالي صور بأنهم متحضرون و محترمون و جادين في تجارتهم، و مكتفين بما لديهم، ولا مصلحة لهم في الانخراط في تلك التجارة المشبوهة. بل إنه يوجه اصابع الإتهام بخصوص هذه التجارة الى المناطق التي تسيطر عليها السلطات البريطانية ، لا في صور التي انزعج البريطانيين من الحضور الفرنسي في سفن أهلها.

  1. القاسمي، سلطان بن محمد. الوثائق العربية العُمانية في مراكز الأرشيف الفرنسية. جمع وتحقيق ↩︎
  2. مجلة بحرنا. العدد السابع، «السفن العُمانية ومصاعب الملاحة بالعلم العربي». ↩︎
  3. Archives du Ministère de l’Europe et des Affaires étrangères ↩︎
شارك X Facebook WhatsApp

مقالات ذات صلة

Scroll to Top