في فبراير من عام ١٩٨١م، أي بعد أشهر قليلة من اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، قام عزّت الدوري، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي، بجولة شملت جميع دول الخليج، بما فيها عُمان، سعيًا لحشد تأييد هذه الدول للعراق في حربه ضد إيران.
وفي مذكّرات الوزير العراقي فخري قدوري، عضو الوفد المرافق للدوري في تلك الزيارة، يذكر قدوري انطباع الدوري عن السلطان قابوس بعد أول لقاء بينهما؛ إذ لفتت انتباهه عينا السلطان المتّقدتان ذكاءً والدالتان على فراسة، حتى شبّههما بعيني زعيم العراق صدام حسين.
هنا يمكن للمرء أن يتأمّل كيف اختلفت مصائر بلدين كان يقودهما شخصان يتسم كليهما بالذكاء والفراسة. فلا جدال في ذكاء صدام حسين و فراسته ، وهو الذي نشأ معدمًا ثم تبوأ أعلى مكانة في تاريخ العراق الحديث. إلا أنه — وعلى عكس السلطان قابوس — كان مندفعًا في قراراته المصيرية، بدءًا من شنّ الحرب على إيران وصولًا إلى غزو الكويت. وقد أدّى هذا الاندفاع إلى تدمير بلدٍ عظيم كالعراق، واستنزاف المنطقة في حروبٍ لم تجنِ منها سوى الدمار، بينما كان المستفيد الأكبر أطرافًا لا تنتمي إلى المنطقة ولا إلى شعوبها.
وفي وثائق الدولة العراقية التي أصبحت مستباحة بعد سقوط النظام عام ٢٠٠٣م، يظهر أن صدام حسين كان يعتب على عُمان لعدم وقوفها إلى جانبه في حربه التي وصفها بالعادلة ضد إيران الفارسية ، خصوصًا وأن السلطنة كانت من أبرز أصدقاء الشاه، عدوّ الخميني اللدود لذا كان المتوقع منها أن تنفر من الثورة التي أطاحت به. غير أن تروّي السلطان قابوس وحكمته لم يدفعاه إلى خلق عداوة غير ضرورية مع إيران، بل بادر إلى التواصل مع القيادة الجديدة رغم الحملة الإعلامية والتهديدات التي شنّها مؤيدو الثورة على دول الخليج، ومنها عُمان.
وفي عام ١٩٩١م اي قبيل تحرير الكويت، اعترف صدام حسين في مقابلة تلفزيونية صراحةً بأن حربه مع إيران كانت «فخًا» أُوقع فيه العراق وإيران من قبل «قوى الشر» — على حد تعبيره — وهو ما يُظهر صحة الموقف العُماني المتحفظ منذ البداية. ولا شك أن إيران الخميني قامت باستفزاز العراق عبر المناوشات الحدودية، وتفجير الجامعة المستنصرية، والحرب الإعلامية ضد النظام العراقي وأنظمة الخليج. غير أن طريقة تعامل صدام مع هذه الاستفزازات أدخلته في أزمة أكبر بكثير، انتهت بخسائر فادحة أرهقت العراق اقتصاديًا وعسكريًا، في حين كان بإمكانه احتواء تلك التوترات بدلا من شن حرب شاملة والتفرغ للبناء، ليصبح العراق — بما يمتلكه من موارد هائلة — إحدى أعظم دول المنطقة قوةً وازدهارًا بدلًا من استنزافه في حربٍ عبثية طويلة.
واليوم تتكرر الدعوات ذاتها من أطرافٍ هي نفسها التي مهّدت لاندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، مستغلةً إثارة النعرات والتعصّبات لإدخال المنطقة في صراعات جديدة، يبدو أن الهدف الأول منها استنزاف ثرواتها وتقويض استقرار دولها لصالح طرف ثالث معادي للجميع.



