الافتراق الجامع ( الهناوية و الغافرية)

في كتابه الشهير المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام يرى جواد علي1 أن افتراق العرب إلى قحطانية وعدنانية يمثل صفحة من صفحات الصراع الحزبي عند العرب في صدر الإسلام، أي مع ظهور الدولة العربية في عهدي الخلفاء الراشدين والأمويين. وينتقد جواد علي استغلال الأمويين لهذه النزاعات القبلية لصالح دولتهم، ويرى أنها كانت من الأسباب التي عجّلت بزوالها على يد الأعاجم.

ويتفق معه في هذا الرأي عبدالعزيز الدوري2، الذي يرى أن ظهور التكتل القيسي اليماني ارتبط بالسلطة الأموية في الشام، والتي عمدت إلى استغلاله لبسط سيطرتها على القبائل العربية المقاتلة، من خلال التعامل مع هذه التكتلات القبلية بوصفها أحزابًا سياسية متنافسة، يجري توجيه تنافسها لخدمة الدولة الأموية. وهو الأمر الذي أطلق عليه فواز طرابلسي في كتابه عن تاريخ لبنان الحديث3 وصف “انتظام القوى المتنازعة” في المشرق العربي؛ حيث انقسم الدروز في جبل لبنان في القرن السادس عشر إلى قيسية يمثلها آل جنبلاط، ويمنية يمثلها آل أرسلان، وكان الطرفان يتنافسان على زعامة جبل لبنان عبر استرضاء العثمانيين.

والملاحظ في طرح هؤلاء المؤرخين الثلاثة أن الجامع المشترك بينهم يتمثل في حديثهم عن وجود سلطة مركزية تقوم بتجيير هذا الانقسام لصالحها، وهو أمر تجد له إشارات في التاريخ العماني منذ قرون سبقت التجلي الأخير لهذا الانقسام4، المعروف في الأدبيات العمانية الحديثة بالافتراق الهناوي الغافري، والذي ظهر بصورته الأخيرة في أواخر دولة اليعاربة.

وهذا يفسر عدم ظهور مثل هذا التنظيم القبلي في مناطق مجاورة كالبحرين ونجد وحضرموت؛ إذ إن غياب سلطة مركزية مستقرة في تلك المناطق لم يهيئ الظروف لظهور مثل هذا التنظيم القبلي العابر للقبيلة الواحدة، فظلت القبائل فيها متفرقة على الصورة التي كانت عليها قبل الإسلام.

ويمكن القول إن هذا الافتراق مثّل الإطار الجامع للقبائل العمانية حول الدولة العمانية القديمة، التي عمدت إلى توظيف هذا الانتظام السياسي لصالحها، وتمكنت من خلاله من خلق توازنات دقيقة تحفظ سلطتها في المركز. ولم يكن هذا الأمر مقتصرًا على الملوك وحدهم، بل شمل الأئمة كذلك؛ ولعل ما حدث في بيعة الإمام سالم بن راشد الخروصي من الحرص على تمثيل القوى الهناوية والغافرية على السواء يعد من أقرب الأمثلة التاريخية الدالة على مراعاة هذه التوازنات في بنية السلطة.

كما عمد الملوك إلى تحريك القبائل وإعادة توزيعها للحفاظ على تلك التوازنات، وضمان عدم تغوّل أحد الحزبين بما يشكل تهديدًا لسلطتهم الممتدة. ومن أمثلة ذلك منح السيد تركي بن سعيد قلعة الجاهلي لبني ياس5 بقيادة الشيخ زايد بن خليفة لمواجهة النعيم في البريمي خلال القرن التاسع عشر الميلادي.

وهنا يتضح أنه، على الرغم من الصورة السلبية التي يُذكر بها هذا الافتراق، فإنه يُعد في حد ذاته دليلاً على عراقة التقاليد السياسية في الدولة العمانية، وتجاوزها مرحلة التشرذم القبلي التي عرفتها الجزيرة العربية إلى مرحلة أكثر تنظيماً وانتظاماً. وقد أسهم هذا التنظيم، على الرغم مما شهده أحياناً من نزاعات وحروب دامية، في حفظ التوازنات السياسية والاجتماعية وتحقيق قدر من الاستقرار في فترات زمنية أخرى، لعلها كانت أطول أمداً وأكثر رسوخاً من مراحل الاضطراب والصراع نفسها.

والجدير بالذكر أن الحزبية السياسية في إنجلترا مرت بتجربة مشابهة؛ إذ إن نشأة الأحزاب فيها قامت في الأصل على أساس إقطاعي ذي طابع قبلي، لا على أسس أيديولوجية أو دينية6. فقد كان اللوردات في البدايات ينتظمون في أحلاف تقوم على التنافس الشخصي بين بعضهم البعض، لا على مبادئ فكرية محددة، ثم تطور الأمر لاحقًا، فاكتسب أبعادًا دينية في بعض مراحله، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى أبعاد أيديولوجية واقتصادية، لتظهر الأحزاب بصورتها المعروفة اليوم.

  1. علي، جواد. المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام. بيروت: دار الساقي، ط4، 2001م. ↩︎
  2. الدوري، عبدالعزيز. مقدمة في تاريخ صدر الإسلام. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ↩︎
  3. طرابلسي، فواز. تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى اتفاق الطائف. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2008م. ↩︎
  4. السيابي، سالم بن حمود. العنوان عن تاريخ عُمان. مسقط: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع. ↩︎
  5. مكتبة قطر الرقمية ↩︎
  6. Smith, Lacey Baldwin. This Realm of England, 1399–1688. Boston: Houghton Mifflin Company, 2001 ↩︎
شارك X Facebook WhatsApp

مقالات ذات صلة

Scroll to Top