أوجه الشبه بين صور و الكويت (تعليق على كتاب الشايع)

خلال إحدى زياراتي للكويت وقعت عيني على كتاب ألّفه التاجر والوزير الكويتي عبدالعزيز محمد الشايع، أحد كبار تجار الكويت المخضرمين الذين عايشوا مرحلة التحوّل الكبرى التي شهدتها البلاد في منتصف القرن العشرين مع بداية تصدير النفط. وقد سعى الشايع في كتابه الموسوم بـ «أصداء الذاكرة» إلى إبراز الدور المحوري الذي لعبه تجار ونواخذة الكويت في ازدهارها وتميّزها عن بقية مدن الخليج في مرحلة ما قبل النفط، حيث كان حضورهم فاعلًا في موانئ المحيط الهندي، ولا سيما الموانئ الهندية التي أقام فيها المؤلف نفسه. وفي هذا السياق تساءل عن سبب بروز الحضور الكويتي في ميناء بومبي من خلال سفن أهلها، وعدم ظهور منافس عربي آخر يمتلك أسطولًا يماثل في حجمه أسطول الكويتيين. وقد استدرك بالقول إن لمدينة صور العُمانية سفنها ونواخذتها الذين يُعتمد عليهم، غير أنهم – في تقديره – كانوا أقل عددًا من نظرائهم الكويتيين.
ومع التحفظ على تقدير الشايع بشأن قلة عدد نواخذة صور في الموانئ الهندية، وبخاصة ميناء بومبي الذي كان محور حديثه، يمكن فهم هذا الرأي في إطار النفور التاريخي بين أهل صور والسلطات البريطانية، وما نتج عنه من عدم انسجام بينهما. فقد تحاشى أهل صور الإقامة في مدن خاضعة مباشرة للنفوذ البريطاني. بينما توطدت علاقة الكويتيين مع بريطانيا منذ توقيع اتفاقية ١٨٩٩م بين الشيخ مبارك الصباح والحكومة البريطانية، التي وُضعت بموجبها الكويت تحت الحماية البريطانية، لتناغم مصالح الطرفين منذ ذلك الوقت. في حين كان أهل صور في الفترة ذاتها يناوئون البريطانيين برفع الأعلام الفرنسية على سفنهم، الأمر الذي جعل مصالحهم متعارضة مع المخططات البريطانية، وهو ما قد يفسر تفوق الحضور الكويتي في ميناء بومبي خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهي الفترة التي أشار إليها الشايع.
وعلى أي حال، فإن حضور سفن أهل صور في المحيط الهندي يتجلّى بوضوح في كتابات الغربيين أنفسهم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. فقد أشار جيمس ولستد في النصف الأول من القرن التاسع عشر إلى امتلاك صور مئات السفن العابرة للمحيطات، بينما ذكر مايلز في النصف الثاني من القرن نفسه أن اسم أهل صور كان يثير الرعب في المحيط الهندي. أما آلان فيليرز، فقد انطلق من الكويت نفسها في رحلاته البحرية، وسمع من أهلها عن صور وعن مهارة نواخذتها ودورهم المؤثر في المحيط الهندي.
وفي سياق هذا الحديث، لا بأس من الإشارة إلى بعض أوجه الشبه بين صور والكويت قبل عصر النفط الذي غيّر وجه المنطقة بالكامل. فكلا المدينتين حملتا صفة الميناء الرديف؛ فصور كانت الميناء الرديف لمسقط، كما كانت الكويت الميناء الرديف للبصرة. ويعود ذلك إلى وجود حكم مركزي قوي نسبيا في العاصمتين التاريخيتين مسقط والبصرة، اللتين شكّلتا محطات رئيسية على خطوط التجارة العالمية القديمة. وفي ظل هذا الوجود المركزي، كان للموانئ الرديفة – مثل صور والكويت – دور مهم بوصفها متنفسًا للتجار من تسلّط السلطات المركزية، إذ كانت هذه الموانئ أكثر تحررًا من القيود الرسمية، وبالتالي أكثر ملاءمةً للتجار والقبائل، خاصة في فترات الخلاف مع السلطات المركزية أيًّا كان عنوانها.
كما أن سكان المدينتين في معظمهم ينحدرون من أصول بدوية، وتغلب على ثقافتهم رواسب واضحة من تلك الأصول. فقد شكّل قطاع جعلان والبادية الممتدة إلى ظفار الامتداد التاريخي والسكاني لأهل صور، فيما شكّلت نجد الامتداد الطبيعي والتاريخي لأهل الكويت. وقد منح هذا الجذر البدوي المشترك كِلتا المدينتين خصوصية ثقافية واضحة وطابعًا من التفرد في محيطهما.

المصادر:
أصداء الذاكرة – عبدالعزيز محمد الشايع
رحلة في شبه الجزيرة العربية – جيمس ريموند ولستد
بلدان وقبائل الخليج الفارسي – صاموئيل بيرت مايلز
أبناء السندباد – آلان فيليرز

Share X Facebook WhatsApp

Related Articles

Scroll to Top