مشروع الفحم في الرفصة سنة ١٩٠١ م

في صيف عام ١٨٩٨م، بعث الشيخ محمد بن مبارك آل فنه بخمسة أطنان من الفحم المستخرج من منطقة الرفصة إلى مسقط لفحص جودته. وقد جاءت نتائج الفحص مبشرة، إذ خلُصت إلى أن الفحم الموجود في المناطق المحاذية لمدينة صور – وعلى رأسها الرفصة – يفوق في جودته الفحم المستخرج من مناجم ويلز في المملكة المتحدة نفسها. بناءً على ذلك، تبنّى الوكيل السياسي البريطاني في مسقط آنذاك، بيرسي كوكس، هذا المشروع، خاصةً أن منطقة الرفصة تقع ضمن نطاق مدينة صور التي كان يُولِيها اهتمامًا بالغًا، نتيجة التوجس البريطاني من الحضور الفرنسي فيها، والمتمثل في رفع عدد من أصحاب السفن الصُّورية للعلم الفرنسي، الأمر الذي أثار مخاوف البريطانيين من أن تتحول صور إلى موطئ قدم لقوة أوروبية منافسة في منطقة استراتيجية بالنسبة لهم.1


وفي هذا السياق، طلب الوكيل السياسي من السلطان فيصل بن تركي المساعدة في تسيير بعثة استكشافية إلى جبال الرفصة، بقيادة جيولوجي يدعى الدكتور فون كرافت، وذلك في صيف عام ١٩٠١م. وقد تم التنسيق مع والي صور و المشائخ حمود بن سلطان المجعلي و محمد بن مبارك آل فنه2 لتسهيل عمل البعثة. غير أن الشيخ نور الدين محمد بن عبد الله السالمي، أبرز علماء عُمان في ذلك الوقت، ما إن علم بوصول البعثة حتى اتخذ موقفًا صارمًا ضدها، واعتبرها مؤامرة إنجليزية للتدخل في عُمان واحتلالها. وقد أدى اعتراضه إلى وقوف الأمير عيسى بن صالح بن علي الحارثي، زعيم الهَناوية، ضد هذه الزيارة، وتعرضت القبائل الهَناوية – التي تقع مناطق الفحم ضمن أراضيها – لضغوط كبيرة لثنيها عن قبول المشاريع التي وعدهم بها الوكيل السياسي البريطاني، ما حال دون إكمال البعثة مهمتها.


ورغم محاولات بيرسي كوكس لإقناع الأهالي بأن المشروع سيعود عليهم بالنفع، وسيدخل إلى منطقتهم مظاهر التحضّر والمدنية، بل وبشّرهم بإنشاء سكك حديدية تربط بين جبال الفحم في الرفصة و قلهات، فإن كل تلك الإغراءات لم تُجْدِ نفعًا أمام المعارضة القوية للمشروع من قبل الشيخ السالمي و الأمير الحارثي. الأمر الذي استدعى وصول السلطان فيصل بن تركي إلى صور، برفقة ابنه السيد تيمور والوكيل السياسي البريطاني بيرسي كوكس، لمحاولة استكمال عمل البعثة. إلا أن هذه المحاولة لم تنجح، حيث نتج عنها بعد مفاوضات شاقة وقوف البعثة أمام الموقع المطلوب لإرضاء السلطان طُلب بعدها من البعثة المغادرة فورا.، لِيُدفن هذا المشروع منذ ذلك الحين.

جدير بالذكر ان الصحف الفرنسية احتفت بفشل هذا المشروع البريطاني، خاصة أن البريطانيين كانوا قد أفشلوا مشروعًا فرنسيًا لتخزين الفحم في مسقط قبل ذلك بسنتين. كما احتفت صحيفة المنار المصرية، لصاحبها الشيخ رشيد رضا3، بهذا الفشل البريطاني، ونشرت قصيدة أُرسلت إليها من عُمان، تشيد بموقف القبائل وتحتفي بإخفاق البريطانيين في التغلغل داخل عُمان.


وكما هو معتاد في تلك الفترة التي ساد التوجس المتبادل بين البريطانيين و الفرنسيين في عُمان، حامت شكوك البريطانيين في أن للفرنسيين ضلعًا في إفشال المشروع، من خلال تحريض مشايخ القبائل المعنية – بشكل غير مباشر عبر أهل صور – على رفضه. بل إن الوكيل السياسي البريطاني ذهب إلى حد القول إن الخادم الذي سقط منه صندوق المال الذي جاء به السلطان فيصل قبالة قلهات، فأغرقه في البحر، إنما فعل ذلك عمدًا بعد أن تلقى رشوة من القنصل الفرنسي. وقد ذكر الشيخ السالمي قصة هذه البعثة، ومن ضمنها حادثة غرق صندوق الأموال، في كتابه الشهير اتحاف الأعيان في سيرة أهل عمان.4

  1. Muscat: French Flag Question, 35/85. Qatar Digital Library. ↩︎
  2. هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، سلطنة عُمان. ↩︎
  3. السالمي، نور الدين عبدالله بن حميد. تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان. ↩︎
  4. مجلة المنار المصرية ↩︎
شارك X Facebook WhatsApp

مقالات ذات صلة

Scroll to Top