يُعد كتاب بلدان وقبائل الخليج الفارسي من أهم المؤلفات التي تناولت عمان في القرن التاسع عشر الميلادي، إذ اعتمد مؤلفه الكولونيل صامويل بارت مايلز على مشاهداته الشخصية إلى جانب اهتمامه بالدراسات الشرقية. ومن خلال عمله كوكيل سياسي بريطاني في مسقط خلال فترة حكم السيد تركي بن سعيد (١٨٧٢–١٨٨٨م)، قام مايلز برحلات وزيارات متعددة لمناطق مختلفة من عمان، مكّنته من رصد أحوال البلاد بدقة أكبر ممن سبقوه، الأمر الذي جعل من كتابه مرجعًا مهمًا اعتمد عليه الموظفون البريطانيون والمؤرخون لاحقًا عند تناول تاريخ عمان في تلك الحقبة.
نشرت أرملة الكولونيل مايلز الكتاب عام ١٩١٩م، بعد خمس سنوات من وفاته. وقد جاء في جزأين: تناول الأول تاريخ عمان منذ المستوطنات القديمة حتى قيام دولة اليعاربة، معتمدًا على المصادر الإسلامية التاريخية المتوفرة آنذاك، والتي اشتكى مايلز من قلة ما ورد فيها عن عمان. وهنا يذكر مايلز كتابًا محليًا استفاد منه في معرفة بعض التواريخ الخاصة بعمان لم يجدها في المصادر الإسلامية الأخرى، وهو كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة للأزكوي، الذي ترجمه الكولونيل روس وطُبع عام ١٨٧٤م.
كانت صور أول مدينة عمانية يذكرها مايلز في الصفحات الأولى من كتابه، في معرض حديثه عن التاريخ القديم لعمان، حيث لم يستبعد أن يكون الفينيقيون قد أقاموا في عمان قبل هجرتهم إلى سواحل البحر المتوسط وتأسيسهم مدينة صور اللبنانية. استند مايلز في ذلك إلى ما أورده هيرودوت، الذي ذكر أن الفينيقيين هاجروا من الخليج الفارسي إلى البحر المتوسط. ويرى مايلز أن تشابه الاسم بين صور العمانية وصور اللبنانية لا يترك مجالًا للشك في أن الأولى هي الأصل الذي سُميت عليه الثانية.
وفي الفصل الثاني، المعنون الخليج الفارسي تحت حكم الإسلام، أورد مايلز الإشارات التاريخية المتعلقة بعمان في المصادر الإسلامية. وفي نهايته، يذكر أن صور كانت محطة استراحة لعبد الرزاق بن إسحاق، سفير شاه روخ (ابن تيمورلنك) إلى الهند عام ١٤٤١م، حيث توقف فيها ليستعيد صحته بعدما مر بقريات وشكا من شدة حرارتها، مشيرًا إلى أن السفير لم يقدّم أي معلومات عن أوضاع صور حينها بسبب حالته الصحية.
أما في الفصل الثالث، الذي غطّى فيه فترة التواجد البرتغالي والتحرر منه، فقد أورد أن القائد البرتغالي ألفونسو دي ألبوكيرك مرّ بصور عام ١٥٠٧م في طريقه إلى قلهات بعد مهاجمة مراكب عربية في رأس الحد وخور جراما، واصفًا إياها بأنها “قرية صغيرة للصيادين”. كما يذكر مايلز أن السفينة الإنجليزية لندن رست في صور عام ١٦٢١م في انتظار انضمام سفن إنجليزية أخرى، في وقت كانت فيه المناوشات بين الإنجليز والبرتغاليين على أشدها، ما قد يشير إلى أن المدينة لم تعد مجرد قرية صغيرة كما وصفها ألبوكيرك قبل قرن، وأن السيطرة البرتغالية عليها كانت ضعيفة أو غير متواصلة.
ويضيف مايلز أن الإمام ناصر بن مرشد اليعربي هاجم صور واستردها من البرتغاليين عام ١٦٣٣م، لكنهم عادوا للسيطرة عليها لاحقًا. كما نصت اتفاقية ١٦٤٩م بين البرتغاليين والإمام على أن يقوم البرتغاليون بتدمير حصن صور ضمن عدة حصون أخرى أقاموها في المدن التي احتلوها.
في الجزء الثاني من كتاب بلدان وقبائل الخليج الفارسي، تناول مايلز في الفصل المخصص لبدايات حكم الأسرة البوسعيدية عدة إشارات مهمة لمدينة صور. فقد أورد حادثة الهجوم الذي شنّه القواسم على المدينة بأمر من الوهابيين، حيث أبحروا في اثنتين وعشرين سفينة بهدف السيطرة على قلعتها، غير أنهم هُزموا على يد قبيلتي الجنبة وبني بو علي. ورغم أن مايلز لم يحدد تاريخ هذه الواقعة، إلا أن المصادر الأخرى تشير إلى وقوعها عام ١٨٠٧م.
كما ذكر أن صور كانت منطلق الحملتين البريطانيتين على بني بو علي سنتي ١٨٢٠م و ١٨٢١م، دون التوسع في تفاصيلهما. وأشار كذلك إلى مرور السيد سعيد بن سلطان على متن الفرقاطة “فكتوريا” برفقة ابنه السيد برغش لتسوية بعض الأمور في صور، وذلك قبل عودته إلى زنجبار في رحلته الأخيرة التي توفي فيها سنة ١٨٥٦م.
وفي الفصل المخصص لتاريخ التجارة في الخليج، طرح مايلز مسألة أقدمية صور العمانية مقارنة بصور لبنان، لافتًا إلى التشابه اللفظي والجغرافي بين صور عمان وصور ساحل فلسطين على حد تعبيره. أما في الفصل الذي عنونه بوصف البلاد ومصائد اللؤلؤ، فقد وصف ميناء صور بأنه ثاني أفضل ميناء في البلاد، وموطن لقبيلتي الجنبة وبني بو علي، موضحًا أن الجنبة هم الملاحون الرئيسيون في المنطقة وكانوا يُعرفون سابقًا باسم “الصوريين” وارتبطوا بسمعة مخيفة بوصفهم قراصنة. كما أورد وصفًا لأساليب صيد أسماك القرش عند الجنبة وبني بو علي، حيث كانوا يستخدمون قوارب بدائية مصنوعة من ألواح خشبية وعلى طرفيها جِرَب منفوخة، وهي طريقة أثارت استغراب الغربيين وإعجابهم، وذكرها أكثر من كاتب إلى جانب مايلز. وأكد أيضًا أن صور كانت من أهم موانئ صناعة السفن إلى جانب مطرح.
وفي الفصل الخاص بقبائل الخليج، أعد مايلز قائمة مفصلة بأهم القبائل العمانية، وذكر من قبائل صور قبيلة الجنبة وبني بو علي والهواجر في الجناة والمشارفة في الرفصة والموالخ في رأس الحد وبني جابر في طيوي. كما ضمّن الكتاب تقريرًا عن شرق الجزيرة العربية وجزر كوريا موريا، أشار فيه إلى أن صور تنقسم إلى قسمين رئيسيين هما بلاد والساحل، مبينًا أن بلاد كانت مهجورة نتيجة الهجوم الذي وصفه بالوهابي على سوقها سنة ١٨٦٥م، بينما ينقسم الساحل إلى قسم شرقي هو العيجة التي يسكنها بني بو علي وتحميها أربعة أبراج، وقسم غربي يسكنه الجنبة وينقسم إلى أربع محلات على حد تعبيره هي أم قريمتين والرشة ومخا ومصفية، بالإضافة إلى تجمعات أخرى مثل الشرية وسنيسلة.
وتحدث مايلز في هذا السياق عن صناعة السفن في صور، مبينًا أنها كانت تبني نحو اثنتي عشرة سفينة سنويًا بمختلف الأحجام، على يد نجارين عرب وهنود، وأن أسطولها كان يتكون من ست وخمسين سفينة كبيرة ونحو مئة وخمسين بدن. كما أشار إلى أن جمرك صور كان مؤجرًا للبانيان مقابل ألفي قرش سنويًا. وقدم وصفًا جغرافيًا للمنطقة من رأس خرابة إلى رأس الحد، حيث ذكر أن أهل رأس الحد يمتلكون ثلاثين بدنًا وقدر عدد سكانها بست مئة نسمة، وهم من الموالخ وبني غزال والمهيريين.و ضُمن الكتاب تقارير حول زيارات مايلز ذكر في أحدها أنه التقط صورة فوتوغرافية بانورامية لمدينة صور و قد سبق الحديث عن هذه الصورة في منشور آخر.
ملاحظة: الصورة على غلاف الكتاب تعود للمؤلف أثناء تجواله في عمان بالزي العماني.



